منوعات

العوده

​رد رفعت وهو بيميل على المكتب: “أنتي مش قيلتي إنك ساهمتي بالنص في تمن البيت؟ وعندك توكيل قديم لأبوكي إدارة مش بيع؟ هما عشان ينقلوا البيت لكريم والبيت باسم أبوكي أو باسم العيلة، عملوا عقد بيع ونقل ملكية، وأنتي كـ شريكة بملكية صورية أو بعقود ابتدائية حقيقية معاكي إيصالاتها، اتعمل تنازل مزور بعقد ثلاثي عشان يهمشوا حقك.. وإلا مكانوش احتاجوا يستعجلوا وينقلوا الملكية فوراً وأنتي جوه السجن!”

​طلعت من شنطتي أوراق قديمة جداً.. أصل إيصالات الشراء اللي كنت شايلاها في حظيرة أمانة عند عم توفيق من قبل السجن، ومعاها عقود إيصالات أمانة كان كريم ماضيها لي زمان لما خد مني فلوس بضاعة المحل. ​رفعت ابتسم ابتسامة عريضة: “ده مش بس حقك يا سمر.. ده رقبتهم كلهم تحت إيدك.” ​بدأت الخطة بـ “حرب الأعصاب”. ​بعد أسبوع واحد، وفي يوم جمعة، العيلة كلها كانت ملمومة في الشقة. كريم، ومنى اللي كرشها كان باين خلاص في شهورها الأخيرة، والأب والأم.

​فجأة، جرس الباب رن. ​كريم فتح الباب، لقي محضر ومعاه إعلان قضائي. ​”السيد كريم عبد الرحمن؟” “أيوه.. خير؟” “حضرتك مطلوب للجلسة يوم 15 في قضية تبديد وإيصالات أمانة بمبلغ 850 ألف جنيه.. ومرفق معاها إعلان بدعوى إثبات ملكية وبطلان عقد البيع ونقل الملكية للشقة عقار السيدة زينب، للتزوير والإضرار بحقوق الشركاء.” ​كريم إيديه اترعشت وهو بيمسك الورق. منى جرت عليه: “في إيه يا كريم؟ ورق إيه ده؟” ​أبويا أخد الورق من إيده وقرأه، وش أمه اصفرّ.

​المبلغ المكتوب في إيصالات الأمانة كان كفيل يدخل كريم السجن مش سنتين بس.. لا، مش أقل من 7 سنين مع الشغل والنفاذ! ​قبل ما يستوعبوا الصدمة، تليفون كريم رن. كان رقم غريب. ​رد بصوت بيترعش: “ألو؟” ​جاله صوتي هادي خالص، زي المية الساقعة: “إزيك يا كريم؟ يا رب تكون الحفاضات وعربية الأطفال اللي في أوضي عجبوكم.” ​”سمر؟! إنتي بتعملي إيه؟ إيه الورق اللي وصل ده؟ أنتي هتحبسي أخوكي؟”

​رديت بنبرة حادة وواضحة: “أخويا؟ الأخ ده اللي ساب أخته تشيل عنه قضية مخدرات وتدخل السجن سنتين؟ ولا الأخ اللي استغل وجودها في السجن عشان يسرق نصيبها في البيت ويرمي هدومها وحاجتها في الزبالة؟” ​منى صرخت في الموبايل من جنب كريم: “أنتي مجنونة! البيت ده بتاعنا، وأنتي سوابق! محدش هيصدقك!”

​ضحكت ببرود: “تصدقي يا منى.. صوتك ده جميل جداً في التسجيل. اللي بتقولي فيه ‘البيت بقى باسمك خلاص يا كريم وأختك مش هترجع’. التسجيل ده ينفع قوي للنيابة مع دعوى بطلان العقد، ده غير إن التوقيعات اللي اتعملت وأنا جوه السجن مثبت تاريخها في السجل المدني إني كنت في سجن القناطر! يعني التنازل مزور رسمي بالدليل القاطع.” ​السكوت خيم على الخط. السكوت بتاع الخوف الحقيقي. ​أمي أخدت الموبايل وهي بتعيط: “سمر.. يا بنتي! أنتي هتهدي بيتنا؟ ده أخوكي الوحيد! هتدخليه السجن؟”

​رديت بحسم: “أنا مابهدش بيتي يا أمي.. البيت ده أنا اللي بنيت حيطانه بدمي وعرقي في العتبة. أنتوا اللي هديتوه لما بعتوني عشان خاطر اللي ما يستاهلش. والفلوس اللي طلعتها عشان أقعد في فندق 2000 جنيه؟ أنا هردها لكم.. بس هردها المحكمة وأنا مستلمة البيت ده طوبة طوبة.” ​قفلت الخط في وشهم. ​خلال الأيام اللي بعد كده، كان البيت في السيدة زينب عبارة عن جحيم.

​كريم بقى يتخانق مع منى كل يوم ويهينها لأنها هي اللي زقته على موضوع نقل الملكية وسرقة الأوضة. منى أجهدت نفسها من كثر التوتر ونزل عليها دم وراحت المستشفى، وأبويا ضغط دم ارتفع ومابقاش قادر يقعد على الكرسي يتابع التلفزيون زي زمان. ​أما أمي.. فكانت بتتصل بيا كل ساعة تترجاني وتعيط عشان أقابلهم. ​وافقت أقابلهم.. بس مش في البيت. قابلتهم في مكتب الأستاذ رفعت. ​دخلوا المكتب: كريم، وأبويا، وأمي. كانوا باهتين، مكسورين، ينظرون للأرض تماماً زي ما كريم كان باصص في الأرض يوم ما رشوا عليا الكحول.

​قعدوا قصادي. أنا كنت لابسة طقم جديد، رافعة رأسي، وواثقة في كل خطوة. ​الأستاذ رفعت حط الأوراق قدامهم على الترابيزة: “قدامكم حلين لا ثالث لهما.. الأول: القضايا تمشي. دعوى التزوير في نقل الملكية كفيلة بالحبس، وقضية إيصالات الأمانة هتودي كريم في داهية، وتسجيل الاعترافات هيتقدم للنيابة العامة لإعادة فتح التحقيق في القضية القديمة وتهمة شهادة الزور والتحايل.” ​كريم انهار وبدأ يعيط: “أبوس إيدك يا سمر.. بلاش السجن! أنا مش هتحمل يوم واحد هناك! أنتي عارفة أنا ضعيف قد إيه!”

​بصيت له بمنتهى القسوة وقالت: “وأنا كنت ضعيفة يا كريم لما شيلت القرف بتاعك سنتين؟ ولا عشان أنا بنت هان عليك ترميني؟” ​أبويا قال بصوت مهدود: “اللي تشوفيه يا سمر.. عايزه إيه وحقك علينا؟” ​قلت وأنا ببص في عينيه مباشرة: “الشرط الأولي والوحيد عشان أسحب إيصالات الأمانة وما أرفعش قضية التزوير: الشقة تتكتب باسمي أنا خالص، بعقد بيع نهائي ومسجل من الأستاذ رفعت. وأنتوا.. قدامكم شهر واحد تدوروا على شقة إيجار برة وتفضوا بيتي!” ​أمي صرخت: “نخرج من بيتنا يا سمر؟! نرمي أبوكي وأمك في الشارع؟”

​رديت بابتسامة تشبه ابتسامة منى لما رشت الكحول: “ما تقلقيش يا ماما.. هديكم 2000 جنيه تدفعوا بيها عربية النقل وتأجروا بيها أوضة في أي حتة.. زي ما قلتيلي بالظبط: اعتمدوا على نفسكم!” ​كريم بص لأبوه وأمه وقال وهو بيصرخ: “وافقوا! وافقوا يابا بدل ما أتسجن! أنتوا السبب في كل ده!” ​وقعوا على كل الأوراق. التنازل النهائي، ونقل الملكية، وإقرار بإخلائهم للشقة خلال 30 يوم. ​بعد شهر بالتمام… ​كنت واقفة على نفس الباب في السيدة زينب.

المرة دي ماكنتش شايلة شنطة هدوم واحدة.. المرة دي كنت ماسكة المفتح في إيدي، ومعايا العمال اللي بيدهنوا البيت من جديد. ​كانت عربية النقل تحت، وكريم ومنى وأبويا وأمي بيحملوا أخر كراتينهم. منى كانت ماشية عينيها في الأرض ومابترفعهاش، وأمي كانت بتبصلي بدموع وحسرة، وأبويا مش قادر يحط عينه في عيني. ​منى مرّت من جنبي وهي شايلة شنطة، وقفت لحظة. ​مسكت إزازة كحول صغيرة كانت في جيبي.. طلعتها وبصيت لمنى. ​رشيت الهواء جنبها ببطء… وقلت وأنا ببتسم:

“معليش يا منى… بنضف البيت من ريحة الخيانة والغل.. عشان أعرف أعيش فيه بنظافة.” ​منى سكتت وتابعت طريقها للنزول وهي بتعيط، وكريم نزل وراها من غير ما ينطق بكلمة واحدة. ​دخلت الشقة.. قفلت الباب ورايا. ​الأوضة اللي كانت مليانة كراكيب وحفاضات، فضت تماماً. العمال جابوا ماكينة الخياطة الجديدة اللي اشتريتها، وحطوها جنب الشباك اللي بيدخل منه نور الشمس. ​قعدت على الكرسي، وفتحت الشباك على هواء السيدة زينب الصافي.. وأخيراً، أخدت نفس عميق.. نفس حر ونظيف.. وعرفت إن الحق لما بيرجع، بيبقى له طعم تاني خالص.

تمت

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى