جارتي كانت كل شوية تقول لي إنها بتشوف بنتي في البيت في نفس الوقت اللي المفروض تكون فيه في المدرسة! ادّعيت إنّي نازلة شغلي عادي، لكنّي رجعت واستخبيت تحت سر.يرها… واللّي سمعته بعد كده خلّى الدم يتجمد في عروقي! أنا اسمي أوليفيا كارتر، ولحد الأسبوع ده، كنت فاكرة إنّي فاهمة بنتي اللي عندها 13 سنة كويس أوي. بعد طلاقي بسنتين، ماببقاش في حياتي غيري أنا وهي، وعايشين سوا في حي هادي في ولاية ماساتشوستس.
ليلي كانت عاقلة وواعية أكبر من سنها، مؤدبة، وراصية، وعمرها ما كانت متمرّدة. مدرّسينها دايماً بيشكروا فيها، والجيران يبتسمولها كل ما تعدي من قدامهم… يعني ماكانش عندي سبب واحد يخليني أشك فيها. أو ده اللّي كنت فاكراه! في صباح يوم خميس، وأنا بقدّف باب عربيتي عشان أمشي على شغلي، نادتني جارتي اللّي ساكنة جنبي، المدام غرين، وصوتها كان فيه تردد: — «أوليفيا… هي ليلي قاعدة في البيت النهاردة ومش رايحة المدرسة؟» ساعتها حسيت كأن حجر تقيل وقع في بطني!
— «تاني؟ لا طبعاً!»، رديت بسرعة، «هي بتروح المدرسة كل يوم». ترددت المدام غرين لحظة، وبعدين قالت بنبرة حذرة: — «مش عاوزة أقلقك، بس أنا بشوفها بترجع البيت في أوقات المدرسة… وأحياناً ما بتكونش لوحدها». غصبت نفسي على الابتسامة، وكان قلبي بيدق بسرعة وشرس: — «أكيد بتشبّهي يا مدام غرين». بس من جوايا، ماكنتش مقتنعة خالص! طول اليوم في شغل، القلق كان ملازمني زي الضِّل. ليلي في الفترة الأخيرة كانت ساكتة زيادة عن اللزوم، خست شوية، ونومها بقى مقلوب ومتلخبط. حاولت أقنع نفسي إن دي مجرد ضغوط مراهقة، بس الشك كان خلاص بدأ ياكل في قلبي.
في الليلة دي، أكلت ليلي العشا بهدوء، ورَدّت على أسئلتي بأدب، وضحكت لما جيبتلها سيرة اللّي قالته المدام غرين. — «يمكن شافت حد شبهي يا أمي»، قالت بثقة، «أنا بكون في المدرسة أقسم لك!». صوتها كان ثابت… بس عينيها ما كانتش ثابتة خالص! ما جاليش نوم الليلة دي، ومع أول ضوء للشمس، عرفت إنّي ما ينفعش أعدّي الموضوع أكتر من كده. الصبح، بوست جبينها وقلت بابتسامة مزيفة: — «يوم سعيد في المدرسة يا حبيبتي». — «وأنتِ كمان يا أمي»، ردت بصوت واطي.
استنيت 15 دقيقة… وبعدين لَفيت بالعربية وحطيتها ورا شجر كثيف، ورجعت البيت حتّتك بتّتك ومن غير ما حد يحس. إيديا كانت بترتعش ونبضي سريع جداً. طلعت فوراً على أوضة ليلي… كل حاجة كانت متوضبة بعناية، السر.ير متساوي، والمكتب فاضي. لو هي فاكرة إنّي مشيت… مش هتتوقع أبدًا إنّي هنا! وطيت على الأرض، وزحفت تحت السر.ير… التراب دخل في مناخيري والضلمة بلعتني. قفلت تليفوني وحبست نفسي. الساعة تسعة الصبح… مفيش حاجة. تسعة وتلت… الصمت مرعب. رجلي بدأت تنمل، وكنت خلاص هقتنع إنّي بتخيل…
وفجأة! باب البيت اتفتح! وفي اللحظة دي… سمعت اللّي ماكنتش مستعدة أسمعه في حياتي كلها! حبستُ نفسي تحت السر.ير، والتراب يخنق أنفاسي، والظلام يلتف حول جسدي كالك.فن. صرير باب البيت وهو ينفتح كان كالسكين التي تجرّ في حوض صدري. لم تكن خُطوات رجل تقيل، ولا خُطوات غريب اقتحم المكان… كانت خطواتٍ خفيفة، مألوفة لي كدقات قلبي. خطوات “ليلي”. سمعتُ صوت إغلاق الباب بهدوء شديد، أعقبه صوت سحب السلسلة المعدنية للترباس. كان قلبي يدق بض.ربات متسارعة، متلاحقة، حتى ظننت أن اهتزاز صدري سيكشف مكاني تحت السر.ير.
ثم جاء الصوت الثاني. صوت خُطوات أخرى! أثقل، وأبطأ… خطوات شخص يرتدي حذاءً ثقيلاً يصر على خشب الصالة. وسمعت ضحكة خافتة، مكتومة، لم تكن ضحكة طفلتي العذبة التي أعرفها، بل كانت ضحكة شاب في أواخر المراهقة، صوت يتكسر بين الخشونة والنعومة. — «أنتِ متأكدة إن أمك مش ترجع؟» قالها الصوت الغريب بنبرة استهتار واثقة. ردت ليلي بصوتٍ هادئ، هدوء أرعبني، هدوء لا ينتمي لفتيات في الثالثة عشرة من العُمر: — «قلت لك ألف مرة، أمي بتصدق أي حاجة أقولها. شربت مقلب جارتنا الغبية، وحلفت لها إني بكون في المدرسة وفقت. هي دلوقتي في الشغل، ومش بترجع قبل الساعة خمسة.»
كتمت صرخة كانت ستخرج من حلقي. شعرت ببرودة تسري في أطرافي، والدم يستحيل إلى ثلج في عروقي. طفلتي الصغيرة، ملاكي الأبرياء، تتحدث عني بهذه الدناءة؟ تتلاعب بي بهذه البساطة؟ سمعت خطواتهما تقترب من الغرفة. دخل كلاهما. تجمّدت في مكاني. من فتحة صغيرة تحت مفارش السر.ير، استطعت رؤية حذائين: حذاء ليلي الرياضي الأبيض، وحذاء آخر أسود ضخم، متهالك. — «أنا تعبت يا إيثان..» قالت ليلي وهي تجلس على طرف السر.ير، فوق رأسي تمامًا. شعرت بمرتبة السر.ير تنضغط نحو الأسفل.
رد الشاب، والذي يدعى إيثان، وهو يلقي بحقيبة ثقيلة على الأرض بجانب السر.ير: — «تعبتِ من إيه؟ إحنا خلاص قربنا نخلص. الشحنة الأخيرة هتتسلم بكرة، وساعتها الشيك هيتقفل، ونقدر نخلع من الولاية دي خالص.» شحنة؟ شيك؟ خلع؟ ما الذي تتحدث عنه بنتي؟ عن أي عالم يتحدث هذا الصبي؟ — «أمي بدأت تشك يا إيثان»، قالت ليلي بصوت يرتجف هذه المرة. «السيدة غرين شافتنا. أمي سألتني امبارح.. أنا قدرت أضحك عليها، بس عينيها كانت مرعوبة. أمي مش غبية، هي بس بتثق فيا زيادة عن اللزوم. لو كشفت الحقيبة اللي تحت السر.ير…»
توقفت أنفاسي تمامًا. “الحقيبة اللي تحت السر.ير”؟! نظرت بحذر في الظلام الدامس من حولي. على بعد سنتيمترات قليلة من وجهي، في أقصى زاوية الجدار تحت السر.ير، كانت هناك حقيبة ظهر سوداء كبيرة، لم ألاحظها حين زحفت في العتمة! استكمل إيثان كلامه بحدة وهو يقترب منها: — «إياكي تضعفي دلوقتي! إحنا بقالنا أربع شهور بنخطط. أمك مغفلة، قاضية حياتها بين الشغل والمطبخ، فاكرة إن العالم وردي وإنك لسه الطفلة اللي بتلعب بالعرائس. هي ما تعرفش إنك شغالة مع جوناثان من الصيف اللي فات!»
جوناثان؟! بدأ رأسي يدور. الاسم لم يكن غريبًا عليّ. جوناثان هو صاحب المتجر الكائن في نهاية الشارع، رجل في الخمسينيات من عمره، يبدو دائمًا لطيفًا ويوزع الحلوى على الأطفال! — «جوناثان مجنون يا إيثان!» صاحت ليلي بصوت منخفض ومكتوم. «هو طلب مني أهرب معاه! قال لي إن الفلوس اللي عملناها من بيع الممنوعات في المدرسة تكفينا نعيش في ميامي! أنا مش عاوزة أروح معاه، أنا عاوزة أروح معاك أنت!» الشرطة… المخدرات… الهروب… كان الكلام ينزل على رأسي كالمطارق. ليلي، ابنتي المتفوقة، الهادئة، ذات الوجه المائك، تبيع المواد الممنوعة في مدرستها لحساب رجل خمسيني؟ وتخطط للهروب من البيت؟
وضع إيثان يديه على كتفيها، ورأيت قدميه تقتربان أكثر: — «سيبك من جوناثان. جوناثان ده كارت واتحرق. الشرطة مراقباه من أسبوع. عشان كده هو مستخدمك أنتِ، عشان فاكر إن محدش هيشك في طفلة بالبراءة دي. الحقيبة اللي تحت السر.ير دي فيها الأوراق المزورة والفلوس النقدية. بكرة بعد المدرسة، مش هترجعي هنا. هتقابليني عند محطة القطار، ونسافر.» — «وأمي؟» سألت ليلي، وكان في صوتها نبرة ندم خفيفة، لكنها سرعان ما تلاشت. رد إيثان ببرود مرعب:
— «أمك هتصحى تلاقيكي اختفيتِ. هتتصل بالشرطة، والشرطة هتتدور عليكي في كل حتة، بس إحنا هنكون بعيد. هي هتتألم شوية، بس هتنساكي مع الوقت. أهم حاجة الحقيبة تفضل مستخبية هنا لحد بكرة الصبح.» — «طيب يلا نمشي من هنا بسرعة قبل ما حد يشوفك»، قالت ليلي وهي تقف. سمعت خطواتهما تبتعد باتجاه الصالة. باب الغرفة يُغلق، ثم باب البيت المباشر يُغلق ويُقفل بالمفتاح من الخارج. ساد الصمت. صمت ثقيل، أثقل من الجبال. بقيتُ مستلقية تحت السر.ير لعدة دقائق، غير قادرة على التحرك. جسدي كان يرتجف بشكل هستيري، وعيناي تفيضان بالدموع الساخنة التي اختلطت بغبار الأرضية.
كل شيء في حياتي انهار في لحظات. سنتان من التضحية بعد الطلاق، العمل ليل نهار لأوفر لها حياة كريمة، الحب، الحنان، الأمان… كل هذا كان يُقابل بخديعة شيطانية تقودها طفلة لم تتجاوز الثالثة عشرة! زحفتُ خارجة من تحت السر.ير كالجثة الهامدة. وقفتُ ببطء، ونظرتُ حول الغرفة. كانت الغرفة تبدو بيضاء، بريئة، مليئة بالدبابيب والكتب والمُلصقات الملونة… لكنها كانت مجرد قناع لشيء مظلم ومرعب. انحنيت وسحبت الحقيبة السوداء من تحت السر.ير. فتحت السحاب بآيادٍ ترتجف. ما وجدته بالداخل جعل قلبي يتوقف.
رزم من الدولارات النقدية، أكياس بلاستيكية صغيرة تحتوي على مسحوق أبيض وأقراص ملونة، وجواز سفر مزور يحمل صورة ليلي ولكن باسم مختلف: “صوفيا ميلر”، وعمر مكتوب فيه أنها في الثامنة عشرة! جلسْتُ على الأرض، والحقيبة بين يدي، وبكيتُ بمرارة. بكيتُ على ابنتي التي ضاعت، وعلى نفسي التي انخدعت، وعلى البراءة التي دهستها المادة والجريمة. لكن، وسرعان ما تحول البكاء إلى شيء آخر… تحول إلى غضب. غضب ساطع، يقطع الشك باليقين.
أنا لستُ “الأم المغفلة” التي تحدث عنها ذلك الصبي. ولن أسمح برمي ابنتي في هذا الجحيم. ليلي أخطأت، بل ارتكبت إثمًا كبيرًا، لكنها ما زالت طفلة تم استغلالها من قِبل مجرمين بالجين: ذلك الفتى إيثان، وهذا الخمسيني القذر جوناثان. رفعتُ هاتفي. نمسحتُ دموعي بقسوة. لم أتصل بالشرطة فورًا. كنت أعلم أن الاتصال بالشرطة الآن قد يعني سجن ابنتي وضياع مستقبلها للأبد، أو ربما هروب الرؤوس الكبيرة إذا شعرت بالخطر. اتصلتُ برجل واحد كنت أعلم أنه يمكنه مساعدتي دون إثارة الضجة: شقيقي “مارك”، وهو محامٍ وقاضٍ سابق يملك علاقات واسعة في إدارة مكافحة المخدرات.
— «أوليفيا؟» جاء صوته عبر الهاتف دافئًا. «في إيه؟ صوتك مش طبيعي.» رددتُ بصوت خنقته العبرات، لكنه مليء بالتصميم: — «مارك… أنا محتاجة مساعدتك فورًا. ليلي في خطر، وأنا محتاجة أُنقذها قبل بكرة الصبح.» أتت سيارة مارك بعد نصف ساعة. دخل البيت، وحين أريته الحقيبة وما فيها، استقر الوجوم على وجهه. — «أوليفيا… ده مش مجرد لعب عيال»، قال مارك وهو يفحص وثيقة السفر المزورة. «دي شبكة منظمة. جوناثان ده معروف للشرطة بس معندهمش دليل قاطع عليه. هما بيستخدموا الأطفال المراهقين للتهريب والتوزيع عشان القانون بيحميهم من العقوبات المشددة.»
— «مش مهم القانون دلوقتي يا مارك!» صاحتُ بهيستيرية خاففتة. «أنا عاوزة أحمي بنتي! إيثان ده ناوي يهرب بيها بكرة! جوناثان بيستغلها! أنا عملت إيه غلط عشان ده يحصل؟!» وضع مارك يديه على كتفي وقال بثبات: — «أنتِ ما عملتيش حاجة غلط. المراهقين في السن ده سهل السيطرة عليهم وغسل دماغهم بالفلوس والإغراءات. اسمعيني كويس… إحنا قدامنا حلين: يا نبلغ مكافحة المخدرات فورًا وهما يحقّقوا مع ليلي، يا إما نلعب اللعبة دي بأسلوبنا ونوقع جوناثان وإيثان متلبسين، ونضمن إن ليلي تطلع منها بصفتها ضحية وتأخذ علاج نفسي بدل ما تخش الأحداث.»
تنفسّتُ ببطء، وقلت: «إحنا هنلعب اللعبة بأسلوبنا. قول لي أعمل إيه.» وضعنا الخطة. في مساء ذلك اليوم، عادت ليلي إلى المنزل في مواعيدها المعتادة. دخلت وهي تبتسم ابتسامتها المزيفة، تحمل حقيبتها المدرسية. — «أهلاً يا أمي»، قالت وهي تقبل خدي. «اليوم كان طويل أوي في المدرسة.» كانت لمسة شفتيها على خدي تجعلني أقشعر، لكنني أجبرتُ نفسي على الهدوء والابتسام. — «أهلاً يا حبيبتي. عملتِ إيه في امتحان الرياضيات؟» — «كان ممتاز يا أمي، أخذت الدرجة النهائية»، قالتها دون أن ترمش لها عين!
آه يا إلهي، كم أصبحت محترفة في الكذب!