منوعات

السر

​تناولنا العشاء معًا. كنت أراقب كل حركة من حركاتها: كيف تمسك الشوكة، كيف تنظر إلى هاتفها تحت الطاولة، كيف تتظاهر بالتعب لتهرب إلى غرفتها مبكرًا. في الساعة العاشرة مساءً، تظاهرتُ بالنوم. ​سمعتُ حركة خفيفة في الصالة. فتحتُ باب غرفتي ببطء شديد. كانت ليلي تقف عند الباب الخارجي، تتحدث بصوت خفيض في الهاتف: — «أيوه يا جوناثان… الحقيبة معايا. إيثان فاكر إننا هنأخذها وبنأخذ القطار بكرة، بس أنا هجيبهالك أنت في المتجر الساعة تمانية الصبح قبل ما يفتح المتجر… بس أوعدني إنك هتسفرني خارج الولاية لوحدي من غير إيثان. إيثان غبي وممكن يفضحنا.»

​اتسعتُ عينياي بالذهول! ليلي لم تكن تُخدع بواسطة إيثان وجوناثان فحسب… بل كانت تلعب على الطرفين! كانت تخطط لخيانت إيثان وتسليم الممنوعات والفلوس لجوناثان للهروب بمفردها! أي شيطان تسلل إلى روح ابنتي الملاك؟! ​عادت ليلي إلى غرفتها. أغلقتُ بابي وجلستُ على الأرض أرتجف. الخطة تغيرت. الموعد ليس بكرة بعد الظهر مع إيثان… الموعد غدًا في الثامنة صباحًا في متجر جوناثان! ​أتصلتُ بمارك فورًا وأخبرته بالتطور الجديد. — «ممتاز»، قال مارك. «كده جوناثان هيتأخذ متلبس بالحقيبة والممنوعات في مقره. أنا نسقت مع الضابط المسؤول عن القضية. هينزلوا قوة خفية حول المتجر الساعة سبعة ونص الصبح. أنتِ خليكي طبيعية تمامًا.»

​حل الصباح. ​كان صباحًا باردًا غائمًا. استيقظتُ في السادسة. أعددت الإفطار. خرجت ليلي من غرفتها وهي ترتدي معطفها الثقيل، وتحمل حقيبتها المدرسية، وحقيبة أخرى كبيرة محشوة بالملابس والممنوعات. ​— «إيه الحقيبة الكبيرة دي يا ليلي؟» سألتُ ببرود متصنع. ارتبكت ليلي للحظة، لكنها سارعت بالرد: — «دي… دي مشروع المدرسة يا أمي، حاجات للرسم والأشغال اليدوية.» — «آه… تمام يا حبيبتي. بالتوفيق.» ​قبلتني ورحلت بسرعة. ​بمجرد أن أغلقت الباب، ارتديتُ معطفي وخرجتُ خلفها بخطوات متخفية. ركبت سيارتي التي كنت قد أوقفتها في الشارع الخلفي.

تبعتها بحذر. كانت تسير بسرعة، تتلفت حولها باستمرار. ​وصلت إلى متجر جوناثان في نهاية الشارع. كان المتجر مغلقًا والستائر المعدنية مسدولة جزئيًا. تسللت ليلي من الباب الجانبي للمتجر. ​أوقفتُ سيارتي على مسافة. رأيتُ سيارتين مدنيتين تتوقفان في الزوايا: رجال مارك والشرطة السرية. ​نزلتُ من السيارة وركضتُ نحو الباب الجانبي. لم أستطع الانتظار. كان قلبي يصرخ: “بنتي!”. ​دَفعتُ الباب الجانبي ودخلتُ المخزن الخلفي للمتجر. كان المكان مظلمًا، يفوح برائحة الغبار والرطوبة. وسمعتُ الأصوات تتصاعد! ​— «أنتِ فاكرة نفسك ذكية يا بت؟!» كان هذا صوت جوناثان الصارم الخشن.

— «أنا جبت لك الفلوس والحاجة أهيه!» صاحت ليلي برعب. «إديني الباسبور وفلوسي وخادني من هنا بسرعة! إيثان يدور عليا!» ​وفجأة… انفتح باب المخزن الآخر بصرخة غضب! — «يا خائنة!» كان هذا إيثان! كان يحمل في يده سكينًا صغيرًا، وعيناه تشتعلان بالشر! — «كنتِ فاكرة إنك هتخلعي بالفلوس وتسيبيني يا ليلي؟! أنا كنت مراقبك من الصبح!» ​صرخت ليلي برعب وسقطت على الأرض، وهي تتراجع للوراء: — «إيثان! لا! جوناثان هو اللي قال لي أعمل كده!»

​رفع جوناثان مسدسًا صغيرًا بوجه إيثان: — «اثبت مكانك يا ولد، وإلا هفرغ الخزنة دي في دماغك!» ​كان المشهد كابوسًا حقيقيًا. ثلاثة مجرمين، أحدهم طفلتي الصغيرة التي تخوض لعبة أكبر بكثير من عقلها الغض! ​لم أتحمل. لم أفكر في خطورة الموقف. خرجتُ من الظلام وصرختُ بأعلى صوتي: — «ليــــــــلــــــي!» ​توقف الزمن في تلك اللحظة. التفت جوناثان برعب، واتسعت عينا إيثان بالذهول، أما ليلي… فقد انهارت على الأرض وشحُب وجهها كالمو.تى. — «أمي؟!» زمجرت ليلي بصوت متهدج، كأنها ترى أشباحًا.

​— «نزّل السلاح يا جوناثان!» صرختُ وأنا أخطو نحو بنتي، أضع نفسي بينها وبين المسدس والسكين. «الشرطة محاصرة المكان كله من برة!» ​— «أنتِ بتقولي إيه يا مجنونة؟!» صاح جوناثان وهو يوجه المسدس نحو صدري. ​وفي تلك اللحظة بالذات… اقتحمت قوات الشرطة المتجر! «شرطة! نزل سلاحك! ارمي السكينة!» ​اقتحم الضباط المكان في ثوانٍ معدودة. دوت الصيحات، وسقط جوناثان على الأرض تحت ثقل ضابطين، بينما ألقي القبض على إيثان وهو يصرخ ويكرر الشتائم. ​انكمشت ليلي في الزاوية، تبكي بهيستيرية، تغطي وجهها بيديها الصغيرتين.

اقتربتُ منها. جثوتُ على ركبتيّ، وسحبتها إلى أحضاني. ​عصرتها بين ذراعي بقوة، وكأنني أحاول إعادة ضمها إلى جسدي، إلى الرحم الذي خرجت منه قبل ثلاثة عشر عامًا. — «أمي… أمي أنا آسفة… أنا آسفة يا أمي… هما ضحكوا عليا… الفلوس… أنا كنت عاوزة أكون غنية… كنت عاوزة أساعدك… هما قالوا لي إنك تعبانة بسبب الفلوس…» كانت كلماتها تخرج متقطعة بين الدموع والنحيب. ​كنت أبكي معها، وأمسد على شعرها: — «اشششش… اششش يا ليلي… خلاص يا حبيبتي… الكابوس خلص… انتهى.»

​مرت ستة أشهر على تلك الليلة السوداء. ​جوناثان صُدر بحقه حكم بالسجن لمدة عشرين عامًا بتهم إدارة شبكة مخدرات وتجنيد القُصّر. إيثان أُودع في إصلاحية الأحداث حتى يبلغ السن القانوني ليُنقل إلى السجن. ​أما ليلي… بفضل جهود مارك، تم اعتبارها ضحية لاستغلال القُصّر، وخضعت لبرنامج تأهيلي ورعاية نفسية مكثفة مع مراقبة مدنية. ​نحن الآن نعيش في ولاية أخرى، في منزل صغير يطل على بحيرة هادئة. تغيرت ليلي كثيرًا. لم تعد تلك الفتاة ذات الوجه الزائف والبراءة المصطنعة. أصبحت أكثر واقعية، أكثر صراحة. ندبات تلك التجربة ما زالت حفرت في روحها، لكننا نتعافى… معًا.

​في كل صباح، عندما أودعها وهي تذهب إلى مدرستها الجديدة، لا أكتفي بالابتسام لها عند الباب. أنظر في عينيها عميقًا… وأرى الحقيقة. وعندما تسألني جارتنا الجديدة عما إذا كانت ليلي فتاة جيدة، أبتسم بصدق هذه المرة وأقول: «هي ليست ملاكًا… هي مجرد بشر، يتعلم كيف يعيش بعد أن نجا من القاع.» ​أما أنا… فلم أعد أختبئ تحت الأسرة. تعلمتُ أن المواجهة، مهما كانت مرعبة وقاسية، هي الطريق الوحيد للحفاظ على من نحب. #حكايات_مشيره_محمد

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى