بعد ما قضيت سنتين في الســــــ،جن، رجعت بيتي… لقيت مرات أخويا بترش عليّ كحول قدام العيلة كلها وهي بتقول: “ده عشان ننضف ريحة السجن.” كانوا فاكرين إنهم مسحوني من البيت اللي أنا ساهمت في تمنه… بس اللي محدش فيهم كان يعرفه إن البيت اللي بيحاربوا عشانه… هو نفسه اللي هيكون سبب نهايتهم. “أنا مش هعيش تحت سقف واحد مع واحدة خارجة من السجن.” دي كانت أول جملة سمعتها أول ما رجعت. كنت لسه واقف على باب البيت في السيدة زينب – القاهرة، شايل شنطة واحدة بعد سنتين غياب. قبل ما أخبط، سمعت صوت مرات أخويا منى جاي من جوه.
وقفت مكاني… وإيدي شدت على إيد الشنطة. جوه، أمي ردت بصوت واطي… بس مش كفاية إنه يستخبى. “ده لمصلحة الكل… لو سمر رجعت هتطلب نصيبها في البيت. وبسجلها الجنائي، محدش هيشغلها ولا هيتجوزها… وفي الآخر هتبقى حمل علينا.” منى ضحكت باستهزاء: “يبقى تأجر لها أوضة في أي حتة. أنا حامل… وآخر حاجة محتاجاها مجرمة ماشية في بيتي.” في اللحظة دي… حسيت نفسي مش قادر أتنفس. ده نفس البيت اللي عشت فيه عمري كله… نفس البيت اللي ساعدت في تمنه بعد سنين شغل شِفتات طويلة في محل قماش في العتبة.
قبل السجن، أبويا كان دايمًا يقول إني أنا اللي شايلة البيت. وأمي كانت كل يوم حد تعمللي القهوة اللي بحبها وتقول: “يا ضهري وسندي.” وليلة ما كل حاجة اتدمرت… أخويا الصغير كريم كان بيعيط في حضني… وبيترجاني آخد أنا التهمة بدلُه. وأنا وافقت. بعد سنتين… كنت واقفة برة بسمعهم بيتكلموا عني كأني مرض لازم يختفي. خدت نفس عميق… وخبطت الجرس. أمي فتحت الباب… أول ما شافتني عينيها وسعت. “سمر! يا حبيبتي… رجعتي!” حضنتني… بس حضنها كان بارد ومصطنع.
“خسيتي قوي… أكيد اتعذبتي.” لو ماكنتش سمعت كلامها من شوية… كنت صدقتها. “أنا كويسة يا ماما… لسه خارجة من السجن على هنا.” قبل ما ترد… ظهرت منى في إيدها إزازة كحول كبيرة. من غير سلام… رشّتني من فوق لتحت. ريحة الكحول ملأت المكان. قالت بابتسامة صفراء: “ما تاخديش على بالك… بننضف ريحة السجن بس.” ولا حد اتحرك. كريم واقف جنب الحيطة… عينه في الأرض. أبويا حتى ما بصّش من على التلفزيون. بلعت إهانتي وقلت: “هروح أحط حاجتي في أوضتي.”
محدش رد. مشيت ناحية الأوضة… فتحت الباب… ووقفت مكاني مصدومة. مفيش حاجة. سريري… كتبي… صوري… ماكينة الخياطة اللي اشتريتها بأول مرتب… حتى علبة الدهب الصغيرة بتاعة جدتي… كل حاجة اختفت. بدلهم… كراتين حفاضات، هدوم بيبي، عربية أطفال، وكراكيب مرمية. لفيت ببطء ناحية أمي: “إيه اللي حصل؟” وطّت عينها: “عدى سنتين يا بنتي… البيت ضيق… ومنى محتاجة الأوضة للبيبي.” “وحاجتي؟” قبل ما ترد… أبويا طفى السيجارة في الطفاية وقال ببرود: “رميناها.” بصيت له وأنا مصدومة: “رميتوا كل حاجة؟!”
“مش هنسيب متحف لواحدة في السجن.” الكلام ده وجعني أكتر من السجن نفسه. “طيب أنام فين؟” من غير ما تبصلي، أمي طلعت 2000 جنيه من شنطتها وحطتهم على الترابيزة: “خديهم… واقعدي في فندق رخيص كام يوم. إنتي عندك 30 سنة… لازم تعتمدي على نفسك.” بصيت لكريم: “كنت عارف؟” بصلي لأول مرة… وكان باين عليه الذنب: “إنتي أختي… وعايز أساعدك.” في لحظة… افتكرت إن لسه في حد واقف جنبي. لكن منى قطعت اللحظة: “يا كريم بلاش تأنيب ضمير… البيت بقى باسمك خلاص. أختك مش هترجع كأن حاجة ما حصلتش.”
سكت الكل. بصيت لها… بعدين لكريم… وبعدين لأهلي. ولا حد أنكر. في اللحظة دي فهمت… الموضوع مش بس إنهم مش عايزني. أنا وأنا في السجن… كانوا بينقلوا ملكية البيت باسم كريم. ماكانوش مستنيين أختفي… كانوا بيجهزوا يمسحوني من حياتهم خالص. بهـدوء… حطيت إيدي في جيبي وفتحت موبايلي. مسجل الصوت كان شغال من قبل ما أخبط الباب. ولا واحد فيهم خد باله… ولا حد فيهم عرف إنه اعترف بحاجات… هتدمرهم بنفسه.
جالسة على حافة الرصيف المقابل للبيت في العتبة، وسط صخب الباعة ورائحة التوابل وعوادم السيارات، فتحت موبايلي القديم. أطرافي كانت تتلفت من البرد ومن صدمة الجحود، لكن قلبي كان ينبض ببرود عجيب. ضغطت على زر الإيقاف في مسجل الصوت. كان التسجيل كاملاً واضحاً: صوت منى وهي تقول “البيت بقى باسمك خلاص”، وصوت كريم وهو يهمس بذنبه، وصوت أبي وهدير أمي وهما يقران بكل شيء.
حطيت الموبايل في جيبي وسحبت شنطة هدومي الهدة، وبدأت أتحرك. هم فاكرين إن سمر اللي دخلت السجن مظلومة عشان تحمي أخوها هي نفسها سمر اللي تخرج مستسلمة ترمي نسيج حياتها في الشارع. هما ما يعرفوش إن سنتين السجن ما كسرونيش، هما بس نزعوا مني “الطيبوبة الهبلة” وزرعوا مكانها نسيج من الصعب إنه يتفك. أول نقطة تحول في خطتي كانت عم “توفيق”. راجل طيب من كبار تجار القماش في خان الخليلي، كان صديق والدي القديم، وهو الوحيد اللي كان عارف إني ظلمت نفسي لما دخلت المكان ده عشان كريم.
رحت له محله الصغير في العتبة. أول ما شافني، عينيه دمعت ووقف من غير ما يتكلم. ”سمر… خرجتي يا بنتي؟” ”خرجت يا عم توفيق… بس خرجت للشارع.” قعدت معاه وقصيت له كل حاجة. مش بس اللي حصل النهاردة، لا.. فكرته بالأصل. الأوراق، المبالغ اللي كنت بسحبها من حسابي وبحطها في حجر أبويا عشان نشتري الشقة والأرض اللي تحتها، والتحويلات اللي كنت باخد بيها إيصالات أمانة على كريم قبل السجن كنوع من الضمان الشكلي اللي طمسته الأيام.
عم توفيق ضرب كف بـ كف: “يا فجرهم! يبيعوكي وأنتي شايطة نفسك عشانهم؟” ”أنا مش عايزة بكاء يا عم توفيق.. أنا عايزة المحامي الأستاذ رفعت. الأستاذ رفعت اللي مسك قضية التاجر اللي جنبك السنة اللي فاتت.” ابتسم عم توفيق ابتسامة دهائية: “رفعت ده داهية يا سمر.. لو ليكي حق تحت سابع أرض يجيبه.” في مكتب الأستاذ رفعت بالقرب من محكمة الجلاء، قعدت قصاده. شغلنا التسجيل، وطلبت منه يراجع الأوراق القديمة.
الأستاذ رفعت قعد يفرك دقنه وهو بيسمع التسجيل، وبعدين بصلي وقال: “التسجيل ده جميل، بس قانوناً في الجنايات ومسائل الإثبات المقبولة ممكن يتطعن فيه لو ما أتاخدش بإذن نيابة.. بس احنا مش هنستخدمه كدليل مباشر في المحكمة الأول يا سمر.. احنا هنستخدمه كـ ‘كرت ضغط’ يربكهم، واللعبة الحقيقية في التزوير ونقل الملكية!” قلت له باستغراب: “تزوير؟”
