في المستشفى العام، الأجواء كانت كئيبة وثقيلة. أحمد قاعد في الممر، راسه بين إيديه، وكل ثانية بتعدي كان بيفتكر فيها تفاصيل الأيام اللي فاتت. افتكر لما ملك كانت تقعد ساكتة على الأكل، وهو يقول لنفسه “البنت عاقلة ومؤدبة”، افتكر لما كانت ترفض تخرج معاه وتفضل مستخبية في أوضتها وهو يظن إنه “حزن على فراق أمها نجلاء”، افتكر لما رانيا كانت بتقوله “سيبها يا أحمد هي محتاجة تنام، النوم بيريحها”. طلعت الدكتورة من أوضة الكشف الطبي، وشها كان شايل هم العالم كله. أحمد اتنطر من مكانه: “خير يا دكتورة؟ ملك عاملة إيه؟”
الدكتورة بصتله بعيون مليانة عتاب وألم: “أنت أبوها؟” ”أيوه.. أنا أبوها.” ”البنت تعرضت لتعذيب بدني ونفسي مستمر يا أستاذ. جسمها فيه كدمات قديمة فوقيها كدمات جديدة، وده معناه إن الض.رب كان نكاي بالأسابيع. وفي حروق صغيرة من أطراف سجائر على ضهرها.. ده غير بقعة الدم اللي في الكم، دي ناتجة عن جرح قطعي في دراعها اتساب من غير تطهير ولزقت فيه الهدوم لحد ما عملت التجلط ده.” أحمد حس بقلبه بيتفتت، حط إيده على بقه عشان يمنع صرخة غضب.
كملت الدكتورة بصوت أشد جدية: “لكن ده مش الأهم.. تحليل الدم المبدئي لملك أظهر وجود نسب عالية جداً من مادة “الزولبيديم” ومواد مهدئة قوية جداً من جيل المهدئات الثقيلة اللي ما تنفعش اصلاً تتاخد للأطفال! المادة دي بتعمل شلل مؤقت في الإرادة، وخمول شديد، ومع الوقت بتبوظ خلايا المخ والذاكرة! لو كانت البنت فضلت تاخد الدوا ده شهر كمان.. كانت دخلت في غيبوبة كاملة أو فشل تنفسي وأدت لوفاتها!” أحمد وقع على الكرسي مش قادر يشيل نفسه. المو.ت؟ بنته كانت هتمو.ت تحت إيده وهو مش حاسس؟!
”يا ربي.. يا ربي أنا عملت إيه؟ أنا دمرت بنتي بجهلي!” بدأ يض.رب راسه بإيده في حالة هستيرية، لكن الدكتورة مسكته: “اهدى يا أستاذ.. البنت محتاجاك دلوقتي قوي. هي محجوزة في العناية المركزة تحت الملاحظة عشان سحب السموم من جسمها.” في نيابة حوادث شرق، كان التحقيق شغال على قدم وساق. رانيا كانت قاعدة قدام وكيل النيابة، تحاول تتصنع الثبات، وتدعي إنها كانت بتعالج البنت من “فرط الحركة” بناء على نصيحة دكتورة قديمة، لكنها رفضت تقول اسم الدكتورة.
النيابة أمرت بالتحفظ على زجاجة الدوا البنفسجي وتحليلها في الطب الشرعي. وفي نفس الوقت، أحمد كان قاعد مع وكيل النيابة بيدي أقواله. وكيل النيابة بص لأحمد وقال: “أستاذ أحمد.. المتهمة في أقوالها بتتهمك بالتقصير، وبتقول إنك كنت على علم بكورس العلاج ده عشان تهدية البنت.” أحمد صرخ: “كذابة يا فندم! كذابة ومجرمة! أنا عمري ما شفت الأزازة دي إلا النهارده! أنا كنت مخدوع فيها، كانت بتمثل عليا دور الأم الحنونة اللي خايفة على ملك بعد وفاة مراتي نجلاء!”
وكيل النيابة سكت لحظة، وبص في الملف اللي قدامه، وبعدين رف عينيه لأحمد وسأله سؤال غير متوقع تماماً: ”هو المرحومة مدام نجلاء.. توفت إمتى وبإيه؟” أحمد اتفاجئ بالسؤال، لكنه جاوب بنية صافية: “من حوالي سنة وشوية يا فندم.. توفت بكتة قلبية فجأة وهي نايمة. هي كانت بتعاني من إرهاق وتعب عام في آخر أيامها، ودكتور الفحص قال وقتها إنها سكتة قلبية طبيعية وصرح بالدفن.” وكيل النيابة ضيق عينيه: “ورانيا.. دخلت حياتكم إمتى؟”
”رانيا كانت الصديقة المقربة لنجلاء الله يرحمها.. كانت بتجيلينا البيت كتير عشان تؤانسها في تعبها.. وبعد وفاة نجلاء بست شهور، هي اللي تقربت مني ومن ملك، وقالتلي إن نجلاء وصتها على ملك قبل ما تمو.ت، وإنها عايزة ترعى البنت.. وأنا وافقت عشان ملك ما تحسش بالحرمان.” وكيل النيابة هز رأسه ببطء، وكتب ملاحظة في الورق. اللحظة دي.. زرعت شوكة غريبة في قلب أحمد. شوكة خلت عقله يعيد شريط الأحداث كلها من سنة فاتت. مرض نجلاء الفجائي..
رانيا اللي كانت بتعملها العصير والأكل بإيديها يوماتياً.. النوم الطويل اللي كانت بتنامه نجلاء قبل ما تمو.ت.. نفس الأعراض اللي كانت عند ملك! أحمد قام من على الكرسي وركبه خبطت في الطاولة: “يا باشا.. أنت تقصد إيه؟ انت عايز تقول إن…” ”أنا متكلمتش يا أستاذ أحمد،” وكيل النيابة قال بصرامة، “لكن التقرير المبدئي للطب الشرعي الخاص بالزجاجة البنفسجية وصل للتو.. والتركيبة السامة اللي فيها مش مجرد مهدئ للأطفال.. دي تركيبات كيميائية معقدة بتؤدي لضعف عضلة القلب على المدى الطويل لو اتاخدت بجرعات تراكمية!”
الدنيا دارت بأحمد. الصوت اتعدم من حواليه. الصورة اتجمعت في عقله بشكل مرعب.. رانيا ما كانتش بس بتعذب ملك عشان بتكرهها.. رانيا كانت بتخلص من ملك بنفس الطريقة اللي خلصت بيها من نجلاء! بعد يومين، التقرير النهائي للطب الشرعي صدر، والنيابة أخذت قرار تاريخي ومزلزل: فتح تحقيق في وفاة المرحومة نجلاء، واستخراج الجثة لإعادة الفحص والتشريح! لما رانيا سمعت القرار ده في محبسها، انهارت تماماً. الوش المتماسك والغرور الشديد اختفوا، وبدأت تصرخ وتدخل في نوبة هستيرية. اتكشف المستور كله لمّا مواجهتها بالدلائل أربكتها، ومع ضغط التحقيقات والأدلة الجنائية، اعترفت بالسر المخيف اللي كان مدفون تحت التراب.
رانيا كانت بتحقد على نجلاء من أيام الكلية. نجلاء كانت الأجمل، الأنجح، واللي اتجوزت أحمد المنشاوي، الراجل الغني والناجح. رانيا عاشت عمرها كله في ظل نجلاء، تغتاظ من سعادتها. ولما اتيحت ليها الفرصة تقرب منهم، بدأت تخطط للجريمة الكاملة. كانت بتحط لنجلاء مادة سمية بطيئة المفعول في المشروبات على مدار ستة أشهر، المادة دي بتسبب ضعف تدريجي في ض.ربات القلب وتظهر كأنها مو.ت طبيعي بسكتة قلبية. وبعد ما نجلاء ماتت وخلت لها الساحة، اتجوزت أحمد عشان تستحوذ على ثروته.
لكن الجريمة ما كملتش.. عشان ملك الصغير كانت هي العائق الوحيد. ملك كانت بفتنتها المعتادة بتفكر أحمد بنجلاء كل يوم، وكان عندها ذكريات وشكوك صغيرة بتسأل عنها: “هو ليه طنط رانيا كانت بتحط أزايز غريبة لماما في العصير؟” رانيا خافت إن البنت لما تكبر تنطق أو تفتكر، فقررت تطبق عليها نفس الخطة! تدريجياً، تدمر خلايا مخها بالدوا البنفسجي، وتضعف قلبها، لحد ما تمو.ت “بأزمة قلبية وراثية” زي أمها! في اليوم اللي نزل فيه خبر القبض على رانيا بتهمة الق.تل العمد مع سبق الإصرار لنجلاء، ومحاولة الق.تل العمد والتعذيب للطفلة ملك، أحمد كان قاعد في أوضة المستشفى، جنب سرير بنته.
ملك كانت بدأت تسترد عافيتها، ألوان وشها رجعتلها بالتدريج، بس عينيها كانت لسه فيها الخوف. أحمد كان ماسك إيدها الصغيرة، بيقبلها ويدمع. دموع الندم، ودموع الوجع، ودموع الخلاص. ”بابا..” ملك قالت بصوت رقيق. أحمد رفع رأسه بسرعة، ومسح دموعه: “نعم يا روح بابا.. يا قلب بابا من جوه.” ”هي طنط رانيا مش ترجع تاني صح؟” أحمد ح.ضن إيدها بكتفيه الاتنين، وقال بصوت مليان يقين: “عمرها ما هترجع تاني يا ملك.. الشريرة مشيت خالص، ومحدش في الدنيا يقدر يلمس شعرة منك طول ما أنا حي.”
ملك سكتت شوية، وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة، ابتسامة ما شافهاش أحمد من يوم ما نجلاء ماتت: “بابا.. ممكن أحكيلك عن ماما نجلاء؟” أحمد المس دموعه اللي نزلت على خده، وابتسم لها وسط الدموع، وقال: “احكيلي يا حبيبتي.. احكيلي عنها كل حاجة.. أنا سامعك، ومش هسيبك تاني أبداً.” ملك بدأت تتكلم، وتفتكر ضحكة أمها، والأغاني اللي كانت بتغنيهالها قبل النوم. وأحمد كان بيسمعها بكل حواسه، حاسس إن روح نجلاء رفرفت في الأوضة عشان تطمن على بنتها.
بقعة الدم الصغيرة اللي كانت على كم المريلة المدرسية، ما كانتش مجرد ألم، كانت هي الشمعة اللي نورت الضلمة، وأنقذت حياة ملك، وكشفت الحقائق المدفونة، عشان يرجع الحق لأصحابه، ويبدأ أحمد وملك رحلة العلاج والترميم لقلوبهم المكسورة، بعيداً عن الكابوس اللي انتهى للأبد خلف قضبان السجن. تمت