منوعات

بنتى الاولى

بنتي بقت الأولى على الفصل، وبتسمع كل كلمة بقولها من غير ولا اعتراض. افتكرت إنها كبرت وعقلت… لكن تصرفاتها المثالية كانت مخبية كابوس عمري ما تخيلته. وكل حاجة اتكشفت بسبب بقعة دم صغيرة على الكم بتاع مريلتها. الجزء الأول – اللحظة اللي كسرت كل حاجة “لو جبتِ سيرة أمك تاني… مش هتاكلي النهارده. والمرة دي مش هكتفي بالمسطرة.” أول ما أحمد المنشاوي سمع الجملة جاية من الدور اللي فوق… حس إن نفسه اتقطع.

كان المفروض يكون في اجتماع شغل في القاهرة طول اليوم، لكن الاجتماع اتلغى في آخر لحظة، فقرر يرجع الفيلا بدري ويعمل مفاجأة لبنته ملك اللي عندها سبع سنين. كان نفسه ياخدها بعد المدرسة، ويخرجوا ياكلوا آيس كريم… وعد كان بيأجله كل مرة بسبب الشغل. أول ما دخل البيت… سمع صوت عياط. مش عياط طفل مدلل… ولا نوبة غضب. كان صوت طفل بيتعلم يعيط من غير صوت… عشان محدش يسمعه. طلع يجري على أوضة ملك. الباب كان موارب.

بص من الفتحة… واتجمد مكانه. ملك كانت واقفة في نص الأوضة، ضهرها مفروض، وإيديها جنبها، وعينيها في الأرض. لسه لابسة المريلة المدرسية. وقدامها كانت واقفة رانيا… مراته التانية… وفي إيديها مسطرة خشب سميكة. قالت ببرود: “مدّي إيدك.” ملك مدت إيديها فورًا… من غير ما تناقش… كأن ده بقى روتين متكرر. أحمد فتح الباب بعنف وهو بيزعق: “إوعي تلمسيها!” رانيا اتخضت ولفت بسرعة. أما أحمد فخ.طف المسطرة من إيديها، وشد بنته وراه. وقال وهو بيرتعش من الغضب:

“إنتِ بتعملي إيه؟!” ردت بكل هدوء: “بربيها.” “لازم حد يحط لها حدود.” “إنت طول الوقت في الشغل… والبنت بتعمل اللي هي عايزاه.” لكن ملك… ماجريتش ح.ضنه. ولا حتى بصتله. فضلت واقفة مكانها… مرعوبة. حتى نفسها كانت خايفة تطلعه. والسكوت ده… وجعه أكتر من أي حاجة. نزل على ركبته قدامها وقال بحنان: “بصيلي يا حبيبتي.” “هي ض.ربتك بالمسطرة دي؟” ملك سكتت شوية… وبعدين بصت ناحية رانيا بخوف… وهزت راسها آه. حس قلبه بيتقطع. قال: “متخافيش.” “مش هتقدر تأذيكي تاني.”

“احكيلي كل حاجة.” خرج صوتها بالعافية: “من يوم ما اتجوزتك…” “هي بتشد شعري…” “وتقرصني…” “وبعدين بقت تض.ربني بالمسطرة.” ضحكت رانيا بسخرية وقالت: “بتبالغ.” “هي من يوم ما أمها ماتت وهي بقت كده.” أول ما سمعت اسم أمها… ملك اتنفضت. سألها أحمد وهو صوته بيتكسر: “لما بتتكلمي عن مامتك… بيحصل إيه؟” همست: “بتقولي إن الميتين مالهمش لازمة.” “ولازم أناديها يا ماما.” “ولو قلت… ماما نجلاء…” “بتض.ربني أكتر.” في اللحظة دي… أحمد حس إنه فشل كأب. كل الشهور اللي فاتت كان فاكر إن سكوت بنته بسبب حزنها على أمها.

ورانيا كانت كل مرة تقنعه إن ده طبيعي. قال بهدوء: “وريني.” ملك رفعت طرف المريلة. واتجمد مكانه. ضهرها كله مليان آثار ض.رب. علامات قديمة… وجديدة. وزرق في دراعها. وفجأة… لمح بقعة غامقة على كم القميص. بص كويس… كانت دم ناشف. رانيا بدأت تتحرك ناحية الباب. وقالت بسرعة: “بلاش تكبر الموضوع يا أحمد.” “فكر في سمعتك…” “وفكر في شركتك.” رد عليها من غير ما يبصلها: “أنا بفكر في بنتي.” طلع موبايله… وكلم الشرطة فورًا. رانيا حاولت تخ.طف الموبايل من إيده…

لكن زقها بعيد. وفجأة… ملك مسكت في قميصه وهمست: “بابا…” “إوعى تخليها تديني الدوا البنفسجي تاني.” بصلها بصدمة. “دوا إيه؟” قالت وهي بترتعش: “بتقولي إنه فيتامينات…” “بس بعد ما بشربه…” “بنام…” “ومبعرفش أصحى غير بعد ساعات.” أحمد لف ببطء ناحية رانيا. ولأول مرة… ماشافش الغرور في وشها. شاف الخوف. وكان لسه ميعرفش… إن اللي اكتشفه النهارده… ماكانش غير أول خيط في كابوس أكبر بكتير النظرة اللي كانت في عين رانيا في اللحظة دي ما كانتش مجرد نظرة واحدة خايفة تتفضح، دي كانت نظرة مجرمة اتفاجئت إن المسرحية اللي بقالها شهور بتحبكها انهارت في ثانية.

​أحمد كان حاسس إن الأرض بتلف بيه. كلمتين “الدوا البنفسجي” نزلوا على دماغه زي الصاعقة. ساب إيد ملك بالراحة، ومشى خطوات بطيئة ناحية رانيا اللي كانت بتبعد ضهرها للحيطة، وعينيها بتتنقل بين الموبايل وبين باب الأوضة. ​”دوا إيه يا رانيا؟” صوته كان هادي بشكل يرعب، هدوء ما قبل العاصفة. ​رانيا بلعت ريقها بالعافية وحاولت تجمع شتات نفسها، رسمت على وشها ابتسامة مرتبكة وقالت: “أحمد أنت بتصدق كلام أطفال؟ البنت عشان خايفة منك ومن العقاب بتهزي! دوا إيه وبتاع إيه؟ ده مجرد فيتامين فتح شهية الدكتورة كانت كاتباهولها، وأنت عارف إن ملك مش بتحب طعمه!”

​ملك صرخت بصوت مكتوم وهي مستخبية ورا ضهر باباها: “كذابة! مش فيتامين! طعمه زي السمك المحروق، ولمّا بشربه بحس إن رأسي بتتقل ومبقدرش أفتح عيني، ولما بصحى بلاقي جسمي بيوجعني أكتر من الأول!” ​أحمد مدمعش، الدموع اتجففت في عينيه وحل محلها غضب يعمي أي إنسان. مسك رانيا من دراعها بضغط خلّاعها تصرخ، وسحبها لبرة الأوضة وهو بيزعق: “فين الأزازة دي؟ فين الدوا ده؟” ​”سيب إيدي يا أحمد أنت اتجننت؟! والله هعملك قضية عدم اتزان ونفسية! أنت مش عارف بتعمل إيه!”

​”فين الأزازة؟!” صوته هز أركان الفيلا كلها. ​في الوقت ده، صوت سرينات الشرطة بدأ يبان من بعيد، يقرب أكتر فأكتر لحد ما بقى تحت الفيلا بالضبط. رانيا وشها اصفرّ تماماً، ورجليها ما بقتش شايلاها. الشغالة فتحت الباب للشرطة وهي بترتعش، ودخل الضابط ومعه اثنين أمناء شرطة. ​الضابط بص للمشهد: أحمد ماسك رانيا من دراعها بغل، وملك واقفة عند السلم فوق، لابسة المريلة وبتبص من بين السلاحف المكسورة بعيون مفزوعة. ​”خير يا فندم؟ جيلنا بلاغ بعنف أسرري واعتداء.” الضابط قال بجمود وهو بيبص للجميع.

​أحمد ساب رانيا وتقدم ناحية الضابط صوته بيرتعش من الهول: “يا باشا.. مراتي بتض.رب بنتي بقالها شهور، وبتقفل عليها الأوضة، وغير كده بتديها مواد مخدرة أو دوا مجهول عشان تنام وما تتكلمش! بنتي جسمها مليان علامات ض.رب ود.ماء ناشفة على هدومها!” ​الضابط اتجه فوراً لملك، وبص على دراعها وعلى بقعة الدم اللي على الكم، وطلب من أمين الشرطة يتصل بالتسديد الطبي والنيابة. رانيا صرخت: “الكلام ده غير صحيح يا باشا! ده راجل مجنون ومريض نفسي، والبنت بتكرهني عشان أنا مراة أبوها! هي اللي وقعت في المدرسة وجات بتنزف وأنا كنت بغيرلها!”

​ملك نزلت من على السلم بخطوات بطيئة، ودخلت وسطهم، ورفعت أيديها الصغيرة وبصت للضابط: “هي القاسية.. هي اللي ض.ربتني بالمسطرة دي.. وقالتلي لو قلت لبابا هترميني في الشارع زي أمي.” ​الضابط بص للخدوش وللعلامات اللي في جسم ملك، ووجه كلامه لرنيا: “أتفضلي معانا على القسم بهدوء من غير شوشرة.” ​”مش هاجي في حتة! أنت مش عارف أنا بنت مين؟! أنا هقلب الدنيا على دماغكم!”

​لكن الضابط ما أداهاش فرصة، أمناء الشرطة كلبشوها فوراً. وفي اللحظة اللي كانت بتتسحب فيها برة الفيلا، أحمد افتكر “الدوا البنفسجي”. جرى على أوضة النوم الخاصة بيهم، وبدأ يدور في التسريحة، في الدرج المقفول، وفي الدولاب. لحد ما لقى في خلفية الخزنة الصغيرة زجاجة دوا ملهاش أي أكتيل أو ورقة بيانات، جواها سائل بنفسجي غامق، وجنبها سرنجات وقطارات. ​أخد الأزازة ونزل بيها بسرعة سلمها للضابط: “دي الأزازة اللي البنت بتتكلم عليها يا باشا.. تحرزوها وتتحلل فوراً.”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى