
حلمي اتجنن وقال: ”سعاد إنتي اتجننتي؟ إنتي بتقولي إيه؟ يلا قدامي على البيت بدال ما أطـ,ـلقك وأرميكي في الشارع!” ابتسمت بسخـ,ـرية ووجع وقلتله: ”تطـ,ـلقني؟ إنت تفتكر إني ممكن أعيش ثانية واحدة مع واحد زيك؟ واحد بياكل مال اليتامى وأقرب الناس ليه؟ أنا اللي مش عايزاك، وأنا اللي هرفع عليك قضية خلع من بكرة الصبح.. بس قبل الخلع، فيه حق لازم يرجع!” طلبت من عاملة المدرسة تاخد الولد الصغير وأخوه اللي كان قاعد في حوش المدرسة بره، وحميتهم في مكتب الناظرة. وقفت قدام حلمي وقلتله بثبات:
”قدامك خيارين مالهمش تالت.. يا إما تكتب شقة أختك باسمها دلوقتي حالا وتتعهد بمصاريف علاجها وعيالها وتديهم حقهم في ورث أبيهم بالقرش والمليم.. يا إما بكرة الصبح هكون واقفة في النيابة ومعايا بلاغ بالتهـ,ـديد والشروع في قتـ,ـل أختك بالإهمال، والولد الصغير هيشهد عليك، والورق بتاع المستشفى موجود!” حلمي حاول يتعافى ويقولي: ”إنتي بتهـ,ـدديني؟ إنتي حتة مدرّسة مش حيلتك حاجة، فاكرة نفسك هتغلبيني؟” رديت عليه بصرامة: ”أنا أه مدرّسة، بس ربنا معايا والمظلومين دول معايا، وشرفي وكرامتي اللي إنت دست عليهم سنتين رجعوا في اللحظة اللي شفت فيها قسوتك على الطفل ده. اختار يا حلمي، السجن والفضايح.. ولا ترجع الحق لأصحابه؟”
الراجل شاف في عيني إصرار مشوفوش قبل كده. عرف إني مش سعاد الضعيفة المكسورة اللي كانت بتبكي كل يوم الصبح وتطلع عقدها على عيال الفصل. عرف إن المرأة اللي قدامه اتولدت من جديد. بعد محاولات وضغط ومكالمة للمحامي بتاعي اللي طلبته يجي المدرسة، اضطر حلمي يرضخ وتحت تهديد الفضيحة والنيابة، اتكتب تنازل رسمي عن الشقة وفلوس ورث أخته قدام المحامي وفريق من أساطذة المدرسة اللي شهدوا على الواقعة. في نفس اليوم، أخدت إجازة طارئة من المدرسة، وروحت المستشفى ومعايا الطفلين. دخلنا على أمهم، اللي كانت قاعدة على السرير وبصتلي بخوف وافتكرت إن حلمي بعتني أهددها.
قربت منها، ومسكت إيدها المجهدة، وقلتلها والدموع في عيني: ”حقك رجع يا أختي.. حلمي تنازل عن الشقة وكتبلك حقك في الورث، والولاد أمان معايا ومش هيجوعوا تاني أبدًا.” الست مكنتش مصدقة، حضنت عيالها وبكت بكاء يهد الجبال، وأنا قعدت جنبها وبكيت معاها. حسيت إن كل الوجع اللي عشته في بيتي مع حلمي كان سببه إن ربنا يوصلني للنقطة دي.. عشان أنقذ العيلة دي وأنقذ نفسي من الجحيم اللي كنت عايشة فيه.
مرت الأيام.. رفعت قضية خـ,ـلع وانفصلت عن حلمي تماماً ورميت كل ذكرياتي معاه ورا ضهري. الشقة رجعت لـ “أم شريف”، والست تعافت بالتدريج بعد ما تلقت العلاج المناسب وبقت تقيم في شقتها مع أطفالها بكل كرامة. أما أنا.. فرجعت مدرستي إنسانة جديدة خالص. بقيت بدخل الفصل وبدل ما أشوف همومي، بشوف في وشوش الأطفال أمانة ربنا حطهالي. بقيت أبتسم في وشهم، وأسأل على اللي يسرح، وأطمن على اللي ينعس، وأعرف حكاية كل طفل قبل ما أحكم عليه.
الطفل الجائع اللي ضـ,ـربته في أول الحكاية، بقى الأول على الفصل، والطفل الصغير اللي شد فستاني وقال لي ‘ممكن نتكلم بره’ بقى أقرب طفل لقلبي، وعلمني إن الرحمة ممكن تيجي في صورة إيد صغيرة بتشدك عشان تنقذك من ضلالك. تعلمت إن القسـ,ـوة بتولد قسوة، وإن الوجع لو ما داويناهوش بالحب والرحمة، هيتحول لسمّ ناكله ونوكله لغيرنا. ومن اليوم ده، أقسمت إن فصلي مش هيكون مكان للتعليم بس.. هيكون حضن دافي لكل طفل موجوع ومش قادر يشتكي.
تمت.. مشيره محمد
