خالتي مريم كانت الشخص الوحيد الذي بقي قريبًا مني بعد وفـ,ـاة أمي. الوحيدة التي كانت تسأل إن كنت قد تناولت الطعام.
الوحيدة التي تتذكر عيد ميلادي كل عام.
والوحيدة التي لم تنادني يومًا بصفة “ابن راشد”… بل باسمي فقط. أرسلت إليها:
أنا في الطريق. وصلت إلى شقتها الصغيرة في الشارقة بعد ساعة تقريبًا. فتحت الباب فور أن رأتني. لكن ابتسامتها اختفت مباشرة عندما وقعت عيناها على الحقيبة السوداء خلفي. تغير وجهها بسرعة وقالت بقلق:
سالم؟ ماذا حدث؟
نظرت إليها للحظات قبل أن أجيب بهدوء:
أبي طردني. شهقت ثم أمسكت ذراعي بسرعة وسحبتني إلى الداخل، وكأنها تخشى أن يسمعنا أحد من الممر. أغلقت الباب بعصبية، ثم التفتت نحوي:
ماذا فعل؟ لم أجب فورًا. أخرجت هاتفي فقط، وشغلت التسجيل. امتلأت الغرفة بصوت موزة وهي تقول:
لا تدعه يشعر أن له قيمة بدون هذا البيت. ثم جاء صوت أبي باردًا:
عندما يجوع ويضطر للنوم في الشارع… سيفعل ما أريد. جلست خالتي ببطء فوق الأريكة. كانت يداها ترتجفان حول فنجان القهوة بينما استمعت إلى التسجيل كاملًا دون أن تقاطعني.
وحين انتهى… رفعت يدها إلى فمها، وامتلأت عيناها بالدموع. همست بصوت مكسـ,ـور:
رحمة اختارت الرجل الخطأ فعلًا… ثم نظرت إليّ طويلًا. وكأنها ترى أختها في وجهي. بعدها أمسكت يدي بقوة وقالت:
اسمعني جيدًا يا سالم… طالما أنا على قيد الحياة، فلن تنام في الشارع أبدًا. لأول مرة منذ شهور طويلة… شعرت بالأمان. ليس لأن مشكلتي انتهت. بل لأن أحدًا أخيرًا وقف بجانبي دون أن يريد شيئًا مني. في صباح اليوم التالي، استيقظت مبكرًا على رائحة خبز الرقاق الساخن.
خرجت من الغرفة فوجدت خالتي قد أعدت الفطور بنفسها. الجبن الأبيض.
والبيض.
وكوب شاي بالحليب تفوح منه رائحة الهيل. جلست أمام الطعام بصمت. راقبتها للحظات وهي تتحرك داخل المطبخ الصغير، وفجأة تذكرت أمي. الطريقة نفسها في إعداد الشاي.
والرائحة نفسها.
حتى نظرة القلق في عينيها كانت تشبهها. ابتلعت الغصة في حلقي بصعوبة. ثم قلت بهدوء:
لدي بعض الأمور التي يجب أن أنهيها اليوم. نظرت إليّ خالتي وكأنها فهمت كل شيء دون شرح. اكتفت فقط بسؤال واحد:
هل أنت متأكد مما ستفعله؟
أومأت ببطء. هذه المرة…
لم أكن أتصرف بعاطفة. بل بحساب. غادرت الشقة بعد قليل، واتجهت إلى أحد مراكز الطباعة. جلست أمام الحاسوب، ثم دخلت إلى موقع نتائج القبول الجامعي. 98.7٪. المرتبة التاسعة والثمانون على مستوى الدولة. حتى الموظف الذي كان يقف خلف الطابعة نظر إليّ بدهشة وهو يرى النتيجة. طبعت الورقة أكثر من مرة، ثم وضعتها داخل ظرف بني بعناية. بعدها ذهبت إلى البنك، وسحبت مدخراتي القليلة. لم تكن مبلغًا كبيرًا… لكنها كانت كافية لأبدأ.
وعندما خرجت من البنك، وقفت للحظات أحدق نحو البحر البعيد. ثم أجريت مكالمة واحدة فقط. رد الرجل سريعًا:
السلام عليكم. قلت بهدوء:
وعليكم السلام، أستاذ خالد. معك سالم المنصوري. ساد الصمت لثوانٍ. ثم تغير صوته فورًا:
سالم؟ ابن رحمة؟ كيف أستطيع مساعدتك؟ أغمضت عيني للحظة. ثم قلت ببطء: لقد بلغت الثامنة عشرة… وحان الوقت لأستعيد ما تركته لي أمي. استمر الصمت على الطرف الآخر من الهاتف لثوانٍ بدت كأنها دهر، قبل أن يأتي صوت المحامي خالد رصيناً وهادئاً:
«كنت أنتظر هذا الاتصال يا سالم. والدتك، رحمها الله، كانت تعلم أن القوة لا تأتي من المال، بل من التوقيت. غداً صباحاً، في مكتبي.» أغلقت الهاتف وشعرت ببرودة تسري في جسدي، ليست برودة الخوف، بل برودة التركيز. في اليوم التالي، توجهت إلى مكتب المحامي في أحد أبراج دبي الشاهقة. عندما دخلت، وجدته بانتظاري ومعه ملف جلدي أسود عتيق. وضعه أمامي وفتحه ببطء.
«سالم، والدتك لم تترك لك مجرد فيلا»، قال خالد وهو يخرج مستندات رسمية، «لقد تركت لك حصة حاكمة في شركة العقارات التي أسستها مع والدك في بداياتهما. والدك يعتقد أن الحصة انتقلت إليه تلقائياً بوفـ,ـاتها، لكن الحقيقة هي أنها وضعت شرطاً في الوصية: الحصة تُجمد حتى تبلغ أنت الثامنة عشرة وتجتاز الثانوية العامة بنسبة لا تقل عن 90٪.» ابتسمت بمرارة وأخرجت شهادتي: 98.7٪. اتسعت عينا المحامي بذهول: «أنت لم تنجح فقط يا سالم.. أنت انتصرت. بهذا المعدل، وبلوغك السن القانوني، أنت الآن الشريك الأكبر لوالدك في شركته، والمالك الوحيد للفيلا المطلة على البحر التي يسكنها لؤي وموزة الآن.»
المواجهة الكبرى بعد أسبوع، وفي ذروة احتفالات والدك بنجاح لؤي “الهزيل”، وصلت سيارة سوداء فخمة أمام الفيلا. لم أكن أرتدي ملابس “الفاشل” الذي خرج قبل أيام، بل كنت مرتدياً كبرياء أمي. دخلت المجلس. كان والدي يضحك مع ضيوفه، ولؤي يجلس بجانبه كأنه ملك متوج. ساد الصمت فجأة عندما رأوني. قام والدي بغضب: «كيف تجرؤ على العودة؟ ألم أطردك؟» رميت الملف فوق الطاولة الرخامية بوسط المجلس. صوته صدى في القاعة: «لم آتِ كابنٍ عاق يا راشد المنصوري. جئت كمالكٍ لهذا العقار، وكشريكك الأكبر في “مجموعة المنصوري للعقارات”.»
سخر لؤي قائلاً: «أنت رسبت يا سالم، هل جننت؟» فتحت الملف وأخرجت شهادة التقدير الرسمية، ثم شغلت تسجيلاً صوتياً عبر مكبرات الصوت في المجلس. لم يكن تسجيل “الخطة” فقط، بل كان تسجيلاً جديداً لوالدي وهو يقول للمحامي في مكالمة مسربة: «سأزور توقيع سالم إذا لزم الأمر، هو لا يملك ذكاء أمه.» شحب وجه والدي. تراجع الضيوف بذهول وهم يستمعون إلى حقيقة “رجل الأعمال الفاضل”. قلت بصوت منخفض وحاد: «أمامك 24 ساعة. تخلي لي هذه الفيلا أنت وزوجتك وابنك “الناجح”. أما بخصوص الشركة، فسأعين مجلساً جديداً للإدارة، وأنت.. ستحصل على تقاعدك القسري.»
النهاية: البداية الحقيقية وقف والدي محطماً، بينما كانت موزة تحاول الصراخ لكن صوتها اختـ,ـنق من الصدمة. نظرتُ إلى لؤي، الذي كان يرتجف، وقلت له: «لندن مدينة غالية جداً يا لؤي.. وتحتاج لذكاء لا تملكه.» خرجت من المجلس إلى الحديقة المطلة على البحر. استنشقت هواء دبي، لكنه هذه المرة لم يكن حاراً وخانقاً، بل كان منعشاً كطعم النصر. أخرجت هاتفي واتصلت بخالتي مريم: «خالتي.. جهزي حقائبك. اليوم سننتقل إلى بيتنا الجديد.. بيت أمي.» لم يعد سالم هو ذلك الفتى الذي كذب ليهرب. لقد كذب ليحمي إرثه، وصدق ليحكم مستقبله.
انتهت.
