منوعات

وصية جدى.. مشيره محمد

وصية جدى… روايات مشيره محمد
بقالي تلاتة وعشرين سنة بطبخ لأخويا وبنضف وراه، وواقفة بهدوء في خلفية كل صورة عيلة، في الوقت اللي أبويا وأمي بيقولوا عليه هو “الأهم”.
​لما جينا نقرأ وصية جدتي، أمي قالت لي استني بره — زي ما كانت بتعمل دايما.
بس المرة دي، المحامي بصلها وقال: “لأ، هتفضل موجودة.”
وبعدين طلع جواب مقفول مكتوب بخط إيد جدتي…
​أمي كلمتني بنفس النبرة الهادية اللي متعودة عليها وهي بتديني أوامر قبل ما الضيوف يوصلوا — صوت مش قاسي ولا عالي، بس نبرة حد ضامن إن كلامه هيتنفذ.

“يا إيفلين، دي مواضيع عائلية تخصنا. ممكن تستني هنا.”
“هنا” دي يعني المطرقة — الحتة الضيقة اللي جنب كولدير المية، المكان المخصص للناس اللي مش مسموح لهم يقعدوا على الترابيزة.
​كان عندي واحد وتلاتين سنة، ولابسة فستان كويته بإيدي الليلة اللي قبلها — بعد ما غسلت قميص أخويا عشان طلب مني ده. مكنتش عايزة، بس عملت كدة برضه.
هي دي العادات. مش بتسأل ليه… لحد ما يجي يوم وتفوق.
​جوه، أبويا كان قاعد مستريح كأن الأوضة ملكه. أخويا ريان قاعد جنبه، ماسك الموبايل وعمال يقلب فيه، ونور الشاشة عاكس على وشه اللي مش فارق معاه أي حاجة.

كان طالع شكله شيك في القميص ده.
طبعاً، ما أنا اللي كاوياه بإيدي.
​للحظة، كنت هنسحب. الغريزة دي — غريزة إنك توسع لغيرك — كانت لسه موجودة. بعد سنين من القول لي مكاني فين، جسمي بيتحرك قبل ما عقلي يقدر يقاوم.
​بس المحامي اتكلم.
“لأ.”
كلمة واحدة. هادية. وقاطعة.
أمي بربشت بعينيها وقالت: “نعم؟”
أستاذ بيلامي قلع نضارته براحة، وملامحه كانت ثابتة.
“إيفلين هتفضل. جدتها وضحت ده في وصيتها.”
​الأوضة سكتت خالص — مش سكوت درامي، بس كان سكوت تقيل. من النوع اللي بيجبر الحقيقة إنها تبان.
أبويا جسـ,ـمه اتخشب.

ريان أخيراً رفع عينه من الموبايل. أمي مهربتش بعينها مني.
كانت متوقعة إني أختـ,ـفي، بهدوء، زي ما كنت بعمل دايماً.
بس جدتي كانت متوقعة ده برضه — وعملت حسابها.
الإحساس ده بدأ يتسرب جوايا.
​جدتي ماتت من ست أيام، بس لسه روحها موجودة في كل حتة — في بيتها، في الحاجات الصغيرة اللي سابتها وراها. كانت هي الوحيدة اللي شايفاني بجد.
عشان كدة خطيت خطوة ودخلت.
أستاذ بيلامي قال لي: “اتفضلي اقعدي يا آنسة هارت.”
آنسة هارت.
مش “يا حبيبتي”، ولا “ساعدينا في المطبخ”. ناداني باسمي.
​قعدت قدام أبويا.

الأوضة كانت باردة، وريحتها ورق وقهوة خفيفة. وصوت المطر كان بيخبط براحة على الشباك.
أبويا سأل: “هو ده فعلاً ضروري؟”
المحامي رد عليه ببرود: “إنت شايف إيه؟”
أبويا كشر. مبيحبش حد يراجعه في كلامه.
ريان قال بزهق: “ممكن نخلص؟ ورايا مواعيد.”
​كنت هبتسم. جدتي قضت أسابيعها الأخيرة مستنياه يزورها، ودلوقتي فجأة بقى وراه مواعيد ومستعجل.
أستاذ بيلامي تجاهله خالص، وطلع ظرف لونه كريمي مكتوب عليه اسمي بخط جدتي اللي عارفاه كويس.
“إيفلين”.
زوري وجعني وضاق.
رفع الظرف عشان الكل يشوفه، وبعدين فتحه بحـ,ـذر.
أمي سألت:

“إيه ده؟”
“جواب.”
“مانا شايفة إنه جواب.”
“يبقى سيبيني أقرأه.”
أستاذ بيلامي سحب الورقة من الظرف ببطء، وكأن كل ثانية بتمر هي انتـ,ـقام هادي لكل السنين اللي ضاعت من عمري في “المطرقة”. بدأ يقرأ بصوت واضح: ​”إلى ابنتي وزوجها.. وإلى حفيدي ريان.. إيفلين هي الوحيدة اللي كانت بتيجي تمسح جرحي وتسمع وجعي، في الوقت اللي كنتم بتيجوا فيه عشان تسألوا عن مفاتيح الخزنة.” ​أمي وشها اتقلب ألوان، وأبويا خبط على التربيزة: “دي تخاريف! كانت ست كبيرة وتـ,ـعبانة ومكنتش واعية هي بتقول إيه.”

​المحامي مرفعش عينه من الورقة وكمل ببرود: “ولأني واعية تماماً، قررت الآتي: البيت الكبير اللي إنتوا قاعدين فيه، والأرض اللي ريان كان ناوي يبيعها عشان يسدد ديون طيشه، وكل مليم في حسابي البنكي.. كلهم ملك لإيفلين.” ​السكوت المرة دي مكنش تقيل، كان مرعب. ريان رمى الموبايل من إيده وقام وقف: “إنت بتقول إيه؟ يعني إيه؟ وأنا؟” ​أستاذ بيلامي بص لإيفلين وابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة: “أما ريان وأهله، فمسموح لهم يفضلوا في البيت لمدة شهر واحد بس، كضيوف.. بشرط موافقة المالك الجديد: الآنسة إيفلين هارت.”

​أمي بصت لي، ولأول مرة النبرة الآمرة اختـ,ـفت. “إيفلين.. أكيد جدتك كانت بتهزر، إحنا عيلة واحدة يا حبيبتي، والبيت ده بيت أخوكي، إنتي عارفة إن ريان هو اللي هيشيل اسمنا.” ​وقفت براحة، وسندت إيدي على التربيزة. حسيت إن الفستان اللي خيطته بإيدي فجأة بقى أغلى من أي بدلة لابسها ريان. بصيت لأمي في عينيها وقلت لها بنفس نبرتها القديمة، الهادية والواثقة: ​”اسم العيلة بيتشال بالأفعال يا ماما، مش بالورق. وأنا شيلت العيلة دي تلاتة وعشرين سنة على كتافي وإنتوا كنتوا بتتعاملوا معايا كأني جزء من العفش.”

​أبويا حاول يتكلم: “إيفلين، اهدي، إحنا…” ​قاطعته وأنا بمد إيدي لآخذ الجواب من المحامي: “المطبخ محتاج تنضيف يا بابا، والعشا لسه متعملش.. ريان، القميص اللي كويتهولك ده، ياريت تحافظ عليه، عشان دي آخر مرة هلمس فيها حاجة تخصك.” ​بصيت للمحامي وقلت له: “أستاذ بيلامي، ابدأ إجراءات نقل الملكية فوراً. وبالنسبة للشهر اللي هيقعدوه هنا.. هعتبرهم ضيوف، بس الضيوف بيحترموا صاحبة البيت.” ​خرجت من الأوضة، ولأول مرة ممشيتش جمب الحيط. مشيت في نص الطرقة، وصوت خطواتي كان عالي وواضح. لما وصلت للكولدير اللي كنت بستنى جنبه، ملمستوش.. كملت طريقي لحد باب البيت، فتحته ووقفت في المطر.

​البرد اللي كان بيخـ,ـوفني زمان، دلوقت بقى بيغسل سنين القهر. جدتي مسبتليش بيت وفلوس بس، دي سابتلي “صوت”.. وأنا قررت إني مش هسكت تاني أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى